الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
81
أنوار الفقاهة ( كتاب النكاح )
كان النظر إلى الوجه والكفين أمرا متعارفا بينهم . 5 - ويدل عليه أيضا ، ما رواه الصدوق بسنده المتقدم في عيادة المريض ، قال : قال النبي صلّى اللّه عليه وآله : اشتد غضب اللّه على امرأة ذات بعل ملأت عينها من غير زوجها أو غير ذي محرم منها فانّها إن فعلت أحبط اللّه عزّ وجلّ كلّ عمل عملته . . . « 1 » . والظاهر انّ ما في سنده ، إشارة إلى ما نقله عنه في الوسائل 2 / 635 ، الحديث 9 ، الباب 10 من أبواب الاحتضار ، وسنده يشتمل على أكثر من عشرة وسائط مشتملة على عدة مجاهيل ؛ وأمّا دلالتها ظاهرة ، بناء على أن المراد من قوله ملأت ، هو النظر اليه متعمدا ، لا أنّ المراد كونه عن شهوة ؛ وإلّا لم يجز حتى في المحارم . هذا ما هو المستفاد من كلمات الأصحاب ، وما يدل عليه من الأدلة ؛ وإن كان ذكر المسألة في كلماتهم غالبا على نحو الاختصار حتى في الجواهر والمستمسك . ولكن الانصاف أنّ التي جرت عليه السيرة قديما وحديثا حتى في زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله وما بعده من الأئمة المعصومين عليهم السّلام ، هو عدم ستر الوجه والكفين ، وشعر الرأس ؛ ولذا ورد في وصف شعر النبي صلّى اللّه عليه وآله أنّه كان إلى اذنيه ، أو ما ورد في حديث ورود الرضا عليه السّلام نيشابور في وصف ذؤابته وغير ذلك ، بل عدم ستر العنق وشيء من الصدر الذي يظهر من القميص ، لا سيما إذا كان واسع الصدر ، وعدم ستر القدمين وشيء من الساق عندهم بعد الأمر بتقصير الثياب ، بل الظاهر عدم ستر الذراعين ، لأنّ الرجال لا يزالون يتوضئون عن الأنهار وغيرها في أعين الناس وفي الملاء العام . وعدم ستر هذه الأعضاء دليل على جواز النظر . إن قلت : جواز الاظهار وعدم وجوب الستر لا يدل على جواز النظر ، لإمكان الأمر بغضّ النظر مع ترخيص ترك الستر ، ولا منافاة بينهما ، ولا يكون هناك إعانة على الإثم . قلنا : عدم المنافاة عقلا صحيح ، ولكن الانصاف ، هو التلازم بين جواز ترك الستر وجواز النظر ، ولذا لا يزال الفقهاء يستدلون بقوله تعالى : « إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها » ، على جواز النظر إلى وجه المرأة وكفها ؛ الحاصل ان جواز أحدهما ملازم عرفا لجواز الآخر ، ولا دخل
--> ( 1 ) . الوسائل 14 / 171 ، الحديث 2 ، الباب 129 من أبواب مقدمات النكاح .